الشيخ محمد رشيد رضا
282
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( القاعدة السابعة الجزية وكونها غاية للقتال لا علة ) قلت في تفسير قوله تعالى في قتال أهل الكتاب من آية الجزية ( 9 : 29 حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ) ما نصه : هذه غاية للأمر بقتال أهل الكتاب ينتهي بها إذا كان الغلب لنا ، أي قاتلوا من ذكر عند وجود ما يقتضي وجوب القتال كالاعتداء عليكم أو على بلادكم أو اضطهادكم وفتنتكم عن دينكم أو تهديد أمنكم وسلامتكم كما فعل الروم فكان سببا لغزوة تبوك ، حتى تأمنوا عدو انهم باعطائكم الجزية في الحالين اللذين قيدت بهما ( ثم قلت ) هذا - وان الجزية في الاسلام لم تكن كالضرائب التي يضعها الفاتحون على من يتغلبون عليهم فضلا عن المغارم التي يرهقونهم بها ، وإنما هي جزاء قليل على ما تلتزمه الحكومة الاسلامية من الدفاع عن أهل الذمة وإعانة للحند الذي يمنعهم أي يحميهم ممن يعتدي عليهم كما يعلم من سيرة أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهم أعلم الناس بمقاصد الشريعة وأعدلهم في تنفيذها . والشواهد على ذلك كثيرة أوردنا طائفة منها في تفسير الآية بعد ما تقدم آنفا « 1 » ومن تأمل هذه القواعد رأى أنه لم يسبق الاسلام إلى مثلها دين من الأديان ، ولا قانون دولي ، ولا إرشاد فلسفي أو أدبي ، ولا تبعته بها أمة بتشريع ولا عمل . أفليس هذا وحده دليلا واضحا لدى من يؤمن بوجود رب للبشر عليم حكيم ، بان محمدا العربي الأمي قد استمدها بوحي منه عز وجل ، وان عقله وذكاءه لم يكن ليبلغ هذه الدرجة من العلم والحكمة في هذه المعضلات الاجتماعية بدون هذا الوحي ؟ فكيف إذا أضفنا إليها ما تقدم وما يأتي من المعارف الإلهية والأدبية والاجتماعية والانباء الغيبية وغير ذلك من دلائل نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم ؟
--> ( 1 ) راجع ذلك في ص 181 - 305 ج 10